الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
295
مناهل العرفان في علوم القرآن
تمسك برأيه ، خصوصا أن فيه رحمة برجل من الناس وإن كان منافقا ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم مطبوعا على الرحمة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ . الوجه العاشر مظهر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند هبوط الوحي عليه وبيان ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في أول عهده بالوحي ، يتعجل في تلقفه ، ويحرك لسانه بالقرآن من قبل أن يفرغ أمين الوحي من إيحائه إليه ، وذلك للإسراع بحفظه والحرص على استظهاره حتى يبلغه للناس كما أنزل . وكان عليه الصلاة والسلام يجد من ذلك شدة على نفسه فوق الشدة العظمى التي يحسها من نزول الوحي عليه ، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ، وحتى أن جسمه ليثقل بحيث يحس ثقله من بجواره ، وحتى إن وجهه ليحمر ويسمع له غطيط . روى مسلم « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه الشريف » فاقتضت رحمة اللّه بمصطفاه أن يخفف عنه هذا العناء فأنزل عليه في سورة القيامة : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ * . وبهذا اطمأن الرسول ثقة بأن اللّه قد تكفل له بأن يجمع القرآن في صدره ، وأن يقرأه على الناس كاملا لا ينقص كلمة ولا حرفا ، وأن يبين له معناه فلا تخفى عليه خافية منه . وكذلك قال اللّه في سورة الأعلى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى وقال له مرة ثالثة في سورة طه : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ . وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً . ألا ترى في هذا كله نورا يهدى إلى أن القرآن كلام اللّه وحده ، ومحال أن يكون كلام محمد ، وإلا لما احتاج إلى هذا العناء الذي كان يعانيه في نزول القرآن عليه ، ولكان الهدوء والسكون والصمت أجدى في إنضاج الفكرة وانتقاء ألفاظها لديه ، ولما كان ثمة من داع إلى أن يطمأن على حفظه وتبليغه وبيان معانيه ! . أضف إلى ذلك أن هذه الحال